بن عيسى باطاهر

57

المقابلة في القرآن الكريم

حية لا يضمن بقاءها ووجودها إلا هذه المزاوجة التي تجمع الشيء ومقابله ، كما تجمع في عالم الأحياء بين الذكر والأنثى » « 1 » . والتقابل بين الأشياء في الكون وحياة الإنسان أمر تقتضيه المصلحة كما أرادها اللّه سبحانه وتعالى ، يقول الجاحظ : « اعلم أن المصلحة في ابتداء أمر الدنيا إلى انقضاء مدّتها امتزاج الخير والشر ، والضار بالنافع ، والمكروه بالسّار ، والضّعة بالرّفعة ، والكثرة بالقلة ، ولو كان الشرّ صرفا لهلك الخلق ، أو كان الخير محضا لسقطت المحنة ، وتعطلت أسباب الفكرة » « 2 » . فالتقابل بين الأشياء ضرورة من ضروريات الحياة ، فقد أقيمت عليه مظاهر الكون ومشاهده ، وجبلت عليه طبائع النفوس ، واقتضت الحكمة الإلهية أن ينبني الوجود الإنساني كلّه على فكرة التضاد ، وتعليل الجاحظ لهذه الظاهرة الكونية مستمد من مفاهيم الشريعة الإسلامية التي ترجع في تفسيرها للمشكلات العويصة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، فقد ورد في القرآن الكريم تعليل فكرة الخلق والإماتة بالابتلاء ، قال تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [ الملك : 2 ] . وسقوط المحنة يعني سقوط الابتلاء الذي قدّره اللّه على المخلوقين ، فبالابتلاء وحده يمكن الفصل بين ما هو حقّ وما هو باطل ، وما هو شرّ وما هو خير . « ولأن اللّه علم أنّ وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير ، والمولى والعبد ، ولا ينفعه إلا ما قدم من خير ، صار ذلك داعيا إلى حسن العمل ، وزاجرا عن ضده » « 3 » .

--> ( 1 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ط دار الفكر العربي - ج 3 ص 874 - 875 ( 2 ) الحيوان - تحقيق عبد السلام هارون - ط 3 دار إحياء التراث العربي : بيروت 1969 ج 1 ص 96 . ( 3 ) الحسن النيسابوري - غرائب القرآن ورغائب الفرقان - تحقيق إبراهيم عوض - ط 1 مطبعة البابي الحلبي : القاهرة 1970 م ج 29 ص 6 .